منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع خيارات تحديد هوية الاقتصاد العراقي

  1. بواسطة عطر الامير

    الجزء الثاني 2-4
    فارس آل سلمان الربيعي*
    العولمة وتحدياتها
    تشكل تحديات العولمة الرأسمالية وسيطرة الشركات الكبرى العابرة للقارات والركود الاقتصادي العالمي بمجملها مناخا ملائما لتملك الشركات الكبرى لمنافساتها الأصغر، وتؤدي العولمة الى سيطرة حفنة شركات كبرى على الاقتصاد العالمي والإنتاج السلعي الدولي.
    إن فكر العولمة تنص على عولمة السياسات الوطنية وآليات صناعة السياسة. فقد كانت السياسات الوطنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية تحت سلطة الدولة، أصبحت الآن تحت تأثير المنظمات والوكالات الدولية أو الشركات الخاصة الكبرى المتعددة الجنسية والمهيمنين الماليين، وبذلك أصبح شعب تلك الدولة تحت تأثير هذه المنظمات والشركات، ما أدى الى تآكل الأمن القومي والوطني والسيادة الوطنية، وأدى الى التضييق على قدرة الحكومات والشعوب في اختيار السياسات بأنواعها.
    من المعروف ان مكونات اقتصاد السوق هي :
    1 - قوة العمل المحررة
    2 - آلية العرض والطلب
    3 - أداة النمو
    وقد لوحظ أن المنتج الصناعي العالمي بدأ يتحكم بالطلب من خلال تحكمه بالعرض وبالتالي بات السعر لا ينجم عن تفاعل العرض والطلب.
    إن للسوق آلية عمياء، فاقتصاد السوق يزيد التفاوت بالدخول، إذ يزداد الأغنياء غنى ويزداد الفقراء فقرا، كما يؤدي اقتصاد السوق الى زيادة الفجوة بين العرض المتنامي والطلب، لذا فإن إعادة توزيع الدخل ليست قضية اجتماعية فقط وإنما قضية اقتصادية، فاقتصاد السوق يتميز بالكثير من الاحتكار والتفاوت بالدخل وزادت شراسة اقتصاد السوق من خلال الاندماج بين الشركات أو استيلاء إحداها على الأخرى، ما أدى الى الاحتكار والتحكم بالأسعار، الأمر الذي أغلق السوق بوجه المبادرين الاقتصاديين الجدد.
    صحيح أن السوق توفر فرص عمل لكنها تهدد استقرار الوظائف الدائمية من خلال الدورات الرأسمالية التي تمتاز بفيض العرض وضعف الطلب والانكماش أو الركود الاقتصادي، وهذا يؤدي الى استعار المنافسة التي بدورها تدفع الى تقليل تكاليف الانتاج وتخفيض أجور العمال الى أقصى حد، وهذا يؤدي الى تقليص فرص العمل والحد من رفع الأجور وتخفيض المزايا الاجتماعية.
    ويمكن تلخيص أركان العولمة بـ:
    أولا: بريتون وودز «Bretton Woods»
    ثانيا: البنك الدولي
    ثالثا: صندوق البنك الدولي
    رابعا: منظمة التجارة الدولية
    خامسا: منظمات أخرى مثل مجموعة السبعة وغيرها
    تطبيقات العولمة:
    أولا: تغليب السوق على مصلحة المجتمع ثانيا: تغليب الربح على الأجور ثالثا: تغليب السلعة الرخيصة منخفضة الكلفة والجودة (مثل الوجبات السريعة الرديئة) على السلعة الجيدة عالية الكلفة .
    وهذا سجل ضغطا على الدول التي تطبق اقتصاد السوق الاجتماعي.
    سلبيات العولمة تتمثل بإشاعة نظام العمل المؤقت مقابل البطالة العالية، وارتفاع الإنتاجية وتقليص الخدمات الاجتماعية، فضلا عن جمود الأجور وارتفاع نسبة البطالة.
    إن أحد أوجه العولمة تقليص ضرائب الدخل على الشركات الكبرى والمصارف في الوقت الذي تتعاظم فيه الأرباح، وبالطبع هناك فائض اقتصادي متزايد لكن هناك تراجعا مستمرا في الخدمات الاجتماعية وفي اخضاع التنمية الاجتماعية لاعتبار السوق النفعية الضيقة، فالليبراليون يطالبون بتصفية دور الدولة ودعم القطاع الخاص وتصفية القطاع المختلط والعام بهدف تحويله الى اقتصاد السوق .
    إن العولمة تلائم البلدان المتطورة حيث يقطن المهيمنون على الاقتصاد العالمي، إذ إن لهذه البلدان القدرة على مراقبة سياساتها الوطنية، فضلا عن مراقبة ممارسات المؤسسات الدولية والنظام العالمي، وقد برز محور يدعم العولمة وهو البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية مقابل انحسار دور منظمات دولية مؤثرة مثل الأمم المتحدة ووكالاتها.
    فقد أدى تأسيس منظمة التجارة العالمية الى رضوخ البلدان النامية للالتزامات التي تفرضها المنظمة؛ أي إن صناعة السياسات ستنتقل من الإطار الوطني الى إطار مفروض خارجيا ويتم إضعاف دور البرلمانات الوطنية.
    وقد شكلت العولمة فجوة كبيرة متسارعة النمو بين الدول المتطورة والأخرى النامية، وما بين الشعوب الغنية والفقيرة في العالم، وفي تحليل لتقرير التجارة والتنمية «TDR 97» ترسخت هذه الفجوة، الأمر الذي زاد من اللاعدالة إذ ظهر ما
    يلي:
    1 - تنامي ظاهرة اللاعدالة في الرواتب في بلدان الشمال والجنوب، فضلا عن انخفاض التوظيف الصناعي للعمال غير المهرة .
    2 - ارتفاع أرباح الرساميل مقارنة مع أرباح العمالة .
    3 - ظهور مصادر دخل جديدة من أراض وسندات نتيجة للتحرر المالي والارتفاع السريع في الدين.
    4 - انحسار فوائد تحرر الأسعار في القطاع الزراعي بيد التجار بدلا من المزارعين .
    وهذا ما نشاهده الآن (2016) من إفلاس الفلاحين في فرنسا رغم أن الحزب الحاكم هو الحزب الاشتراكي!!.
    إن انعدام العدالة أدى الى تركيز الدخل القومي بيد أشخاص قلائل ضمن استثمار راكد وارتفاع البطالة وانخفاض الأجور «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية 1997 الفصل 6)، وتفشي نمط اللاعدالة أعاق الاستثمار وأبطأ النمو من خلال فصل النواحي المالية عن التجارة والاستثمار الدوليين بسبب سرعة التحرر المالي، والقيود المفروضة على سياسات النقد، ما أدى الى ارتفاع معدلات الفائدة، الأمر الذي دفع المستثمرين الى التركيز على تجارة البضائع الثانوية، وكذلك سرعة حركة رأس المال عبر القارات بغية تحقيق مكاسب سريعة أضعف الاستثمار طويل الأجل في أصول إنتاجية جديدة، وعمليات الهيكلة المشتركة أدت الى تسريح العمال وانخفاض الأجور، ما أدى لعدم الطمأنينة في الوظائف والدخل «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية 1997 الفصل 6».
    إن دول الجنوب لم تجن أية فوائد من العولمة، فالدول النامية هي أساسا ضعيفة اقتصاديا بسبب صغر حجم اقتصادها وضعف البنى التحتية الاجتماعية، لكونها كانت أساسا مستعمرات أو خرجت من حروب وأصبحت أكثر ضعفا نتيجة انخفاض أسعار التصدير الى جانب أزمة الديون وأعباء خدمة الديون، كما أدت الى الفجوة التكنولوجية بين الشمال والجنوب «التطور التكنولوجي في المعلوماتية والاتصالات».
    في حين ان دول الشمال منتظمة ضمن بلدانها، وهذا يجعلها قادرة على تحديد جدول أعمال العولمة، كما يمتاز موظفوها بتقدمهم العلمي ككوادر تستطيع التعامل مع الموارد المالية الدولية، فضلا عن وجود كم هائل من الأكاديميين وشركات خاصة وشبه حكومية تهتم بالمشاكل الاجتماعية والتكنولوجية وكذلك تساعد على جمع المعلومات ورسم السياسات والستراتيجيات .
    كما تمتاز هذه الدول بوجود اتحادات مهنية منظمة وكتل ضاغطة ولها نفوذ في الدوائر الحكومية، فضلا عن وجود مؤسسات وآليات تنسق سياساتها مثل المفوضية الأوروبية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وغيرها، بالمقابل فإن الدول النامية لا تمتلك أيا من هذه
    المقومات.
    إن التحرر التجاري فيما لو طبق على بلدان نامية سيؤدي الى دورة تجارية ضارة وعجز في ميزان المدفوعات ووضع مالي غير مستقر ومديونية وركود اقتصادي.
    لقد أدى التحرر المالي بالدول النامية الى السقوط أمام تدفقات الأموال الدولية الهائلة التي تلاعبت باقتصاد الدول النامية من خلال الاستثمارات ذات الأمد القصير التي تستنزف الاقتصاد وتؤدي الى مضاربات، وبخروج هذه الرساميل وعمليات جني الأرباح أدى ذلك الى استهلاك حاد للعملة وبالنتيجة تضاعف عبء الدين الخارجي، وعندما نفد احتياطي العملة الاجنبية في أواسط التسعينيات في اندونيسيا وكوريا وتايلاند لجأت هذه الدول الى صندوق النقد الدولي لكفالتها بقروض، وهنا فقدت قرارها الوطني وسيادتها.
    ولعل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) هو أول من حذر من التحرر المالي ومن تدفق الرساميل بهدف الاستثمار القصير والمتوسط والمتقلب ولما له من تأثيرات اجتماعية واقتصادية.

    *رئيس منتدى بغداد الاقتصادي
    [صورة]