منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع افاق الرحمة واجواء المودة

  1. بواسطة الشيخ عباس

    آفاق الرحمة وأجواء المودة
    [صورة]














    تفتحُ عينيك – وأنت بعدُ طفلٌ صغير – لترى إبتسامة حانية عذبة ترفرفُ على وجهك.. إنّها إبتسامة أمّك الرحيمة الرفيقة المحبّة لك.
    وتبدأ مشاعرك بالإحساس بما حولك، فترى أباً يحدب عليك، وإخوة يلاطفونك، وجدّاً أو جدّة يفيضون حناناً عليك.
    ثمّ تدرجُ في مدارج الحياة فتلتقي أناساً كثيرين يحبّونك ويحترمونك.. تألفهم ويألفونك.. فيهم الأصدقاء وفيهم الزملاء وفيهم الإخوان.
    وتبلغ مبلغ الرجولة فيهفو قلبك إلى فتاة تتمّنى أن تشاركك الحياة وتكون لك زوجةً مخلصةً أمينة حبيبة مطيعة، فيكونُ لك ما تريد، ويجعل الله بينكما مودّة ورحمة، فيهنأ العيش وترغد الحياة وتصفو الأيام بنعيم القرب والمعاشرة والمشاطرة في الأفراح وفي الأحزان.
    وتُرزقُ بالبنين وبالبنات فتجدُ في قلبك حبّاً طافحاً ورحمة جارفة تعذقها على كلِّ واحدٍ منهم..
    مرّت امرأة – ذات يوم – من أمام المسجد النبويّ، وهي تحتضن طفلها الذي شغفها حبّاً، فقال النبي 6 لأصحابه: "اُنظروا إلى رحمة هذه المرأة بابنها.. إنّ الله أرحمُ بعبادة من الأمّ بوليدها".
    ويمرّ 6يوماً آخر بحمامة تحتضن بيضها برفق وحنوّ مؤمّلة نفسها بفراخ يحومون حولها، ويفتحون مناقيرهم الصغيرة طلباً للرحمة بهم، فتلقي في فمّ كلِّ منهم حبّة يختلط طعمها اللذيذ بطعم الحبّ الألذّ..
    فيقول رسول الله 6: "اُنظر إلى رحمة هذه الحمامة ببيضها.. إنّ رحمة الله بعباده لأشدُّ من رحمتها بفراخها".
    هذا إذن عالمٌ أُسس على (الرحمة) وقام عليها.
    والرحمة تعني العطف والرقّة والخير والنعمة، وهي لا تفيضُ إلاّ من قلبٍ صافٍ محبّ.
    أحببْ غيرَك تكن رحيماً به.
    وإذا أحبّك كان رحيماً بك.
    وإذا أحببتما بعضكما فاحت الرحمة وانتشرت.. وتنشِّق الناسُ أريجها.
    وتسأل: لماذا إذن هذه القسوة أينما ندير وجوهنا.. فقسوةٌ في بعض البيوت.. وقسوة بين بعض الأصدقاء.. وقسوة في بعض الحكام والمسؤولين.. وقسوة بين الأنظمة والدول؟!
    إنّ الرحمة إذا نزعت ومن قلب لم يبق إلاّ الحجارة القاسية، وفخار الطين البليد، والأشواك المدبّبة، والمخاطب والأنياب.
    فالجلاّد، والظالم، والمجرم، والعنيف البليد الإحساس المتحجر العاطفة، ربّما يجدون لذّتهم في قسوتهم، فيما يجد المحبّ الحنون الرقيق الرفيق المرهف العاطفة، النقّي المشاعر، لذّته في أن يُحِبُّ ويُحَبُّ، ويَرحم ويُرحم.
    أين تجدُ نفسك بين هؤلاء وهؤلاء؟
    فالتصنيف هنا مهمّ، وعليه يتوقف الفرز بين (القساة) و(الرحماء).. بين مَنْ تجري ينابيع المودّة في قلوبهم، وبين مَنْ تغلي قلوبهم كغلي الحميم، حتى إذا دنوت منهم سمعت لها تغيّظاً وزفيراً!
    ولكن..
    هل الرحمة هي الحب واالعطف واللطف والإحسان فقط؟
    فأبوك حينما يشدّد عليك في المراقبة والمحاسبة والكلمات الشديدة المحذِّرة أو المتوعدة، وحتى حينما يعنّفك ويؤنّبك بأكثر من ذلك، قد يبدو في نظرك قاسياً.
    إنّ رحمته بك هي التي تدفعه إلى تأنيبك إذا أخطأت، أو إذا تماديت في الخطأ، ورحمته بك هي التي تجعله يشدّد في حسابه إذا تراخيت وتقاعست وأهملت واجباتك ومسؤولياتك.
    رحمتُه بك هي التي تحمله على إسماعك بعض الكلمات الشديدة اللهجة من أجل أن تعي تقصيرك وتصحّح أخطاءك، وهو لا يعمد إلى هذا الاسلوب مباشرة، بل ينبّهك ويحذّرك مراراً قبل أن يلجأ إلى اسلوب التعنيف.
    إنّ الجرّاح الذي يقطع عضواً تالفاً من أعضاء البدن، أو عضواً يمكن أن يعرّض بقية الأعضاء للخطر، لهوَ طبيبٌ رحميٌ بمريضه وليس قاسياً عليه.
    إنّه يرفق بباقي الجسد مخافة أن يمتدّ الخطرٌ إليه. لهذا فهو رحيم حتى ولو استعمل المباضع والسكاكين وأدوات التشريح.
    وكذلك هي رحمة ربّنا (الرّحمن) (الرّحيم) فحينما يبتلينا بالآلام والمتاعب والامتحانات الكثيرة، فليس ذلك نقمة منه أو رغبة بالتعدّي علينا، لأنّ الذي يحتاج إلى الانتقام الضعيف، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
    الإبتلاء هو أيضاً رحمة من الله حتى ولو لم نقدّر آثار تلك الرحمة ونتائجها.. هو رسالة تنبية وانذار وتذكير، مثلما هو اكتشاف للمواهب والطاقات والمعادن، أي أنّ الابتلاء محكّ لفرز الصالح من الطالح، والقويّ من الضعيف، والثابت من المنهار.
    يقول تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت/ 2-3).
    وهو أعلم بما فينا قبل وبعد اختبارنا، لكنّه فرزٌ وغربلة نحتاجها نحنُ البشر في حياتنا حتى لا تضيع ولا تختلط علينا المقاييس ويتساوى المحسنُ والمسيء.

    (الرّحمن) (الرّحيم):
    من صفات الله وأسمائه الحسنى أنّه (الرّحمن) (الرّحيم).
    و(الرّحمن) كما في اللغة، هو كثير الرحمة.
    و(الرّحيم) كما في اللغة أيضاً، دائم الرحمة.
    ولو كانت رحمة الله كثيرة ولم تكن دائمة لكان الخطر يتهددنا في بعض الأوقات، فقد تكون كثيرة في وقت وغائبة في وقت.
    لكنّنا إذا أدركنا أنّها كثيرة ودائمة وملازمة لنا في كلّ وقت وكلّ مكان وكلّ موقف شعرنا بالراحة والاطمئنان، كمن يحمل الماءَ معه دائماً، لن يشعر بالخوف من الموت عطشاً.
    فحتى لو كنّا مثل يونس 7 في بطن الحوت، وتذكّرنا رحمة الله الكثيرة والدائمة، فإنّها ستدركنا. ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ (الأنبياء/ 87)، أي لن نبخل عليه برحمتنا ولا نضيِّق عليه بشيء منها. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنبياء/ 88)، الذين يؤمنون برحمة الله.
    هي رحمة ممتدّة.. في الدنيا.. وفي القبر.. وفي الآخرة، فلقد كتب الله تعالى على نفسه الرحمة، وحسبنا أملاً ورجاءً بهذه الرحمة الواسعة الدائمة، أنّ الله كتبها على نفسه، أي جعلها صفة ملازمة لا تنفكّ عن ذاته.
    نعم، هو شديد العقاب، لكنّ رحمته سبقت غضبه، وانّ مغفرته وحلمه أوسع من غضبه وانتقامه وسخطه.
    يقول أحد الأدباء:
    "لقد عشتُ طوال عمري خائفاً من الله،
    وأخيراً.. اكتشفتُ أنّه ملاذي"!
    ومن التربية الخاطئة أن يركِّز الآباء والمربّون على صفة (شديد العقاب) فقط، ويرسمون لله تعالى وجهاً متجهّماً، قاسي الملامح، حادّ النظرات ينظر للإنسان شزراً، بل ويتطاير الشرر من عينيه، وليس له إلاّ رغبة واحدة هي الثأر والانتقام.
    ولا نريد أن نقلّل من عذاب الله وعقابه، فكما أنّ الجنّة واسعة ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ﴾ (آل عمران/ 133). فكذلك جهنم واسعة، حتى أنّ ربّها الذي سجّر نارها لغضبه يخاطبها، ﴿.. هَلِ امْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (ق/ 30).
    لكنّنا نريد التذكير بما قاله تعالى عن رحمته وعذابه، ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف/ 156)، فكفّه الرحمة راجحة، ولهذا قال عليّ بن أبي طالب 7: "الفقيه، كلُّ الفقيه، مَنْ لم يقنّط الناس من رحمة الله".
    فربّ أمل يزرعه معلّم أو مربّ أو أخ أو صديق شفيق في نفسي، من خلال تذكيري برحمة الله وسعتها ودوامها وشمولها، يجعلني أتوب إلى الله متاباً، وأصحّح – على ضوء ذلك – مسيرتي، وأبدأ بفتح صفحة جديدة، استنشق من خلالها نسائم عذبة رحبة، غير تلك الريح السموم التي كنتُ أشمّها وأنا بعيد عن رحمة الله.
    دعونا نتأمل بعمق في هذه القصّة:
    فلقد رأى عليّ بن الحسين 7 شخصاً متعلقاً بأستار الكعبة وهو يبكي ويصيح: أللهمّ اغفرلي، وإنِّي لأعلمُ أنّك لا تغفر لي!
    فتعجّب الإمام من قوله واستنكره، وقال له: أراك يائساً من رحمة الله، فما بالك؟ فقال له الشخص القانط الباكي: لو كنت تعلم فعلي لعرفت سبب يأسي من رحمة الله.
    فقال له: وماذا فعلت؟
    فقال له: لقد كنتُ ممّن خرج لقتال أبيك.
    فقال له عليّ ابن الحسين 7: إنّ يأسك من رحمة الله لأشدّ من خروجك لقتال أبي!!
    ويمكن تعميم ذلك..
    فيأسُك من رحمة الله لأيّ شيء أو سبب، مهما كان ذلك الشيء والسبب عظيماً، هو كبيرة من الكبائر، وهو جهل بسعة رحمة الله، وهو حكم بالإعدام على النفس. يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر/ 53).
    من ذلك كلّه نخلص إلى أنّ:
    1- رحمة الله كثيرة، فهو رحمن.
    2- رحمة الله دائمة، فهو رحيم.
    3- رحمة الله واسعة، ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ (الأنعام/ 147).
    4- رحمة الله كتبها على نفسه، ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأنعام/ 54).
    5- رحمة الله سبقت غضبه.
    6- لو لا رحمة الله لكنّا من الخاسرين، ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (البقرة/ 64).
    7- لو لا رحمته لانعدم الأمل، ولكانت الحياة جحيماً لا يطاق.
    8- الله غنيّ عن عذابنا، ونحن فقراء إلى رحمته، ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ (الأنعام/ 133).
    9- اليأس من رحمة الله كفر: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف/ 87).
    والقنوط من رحمة الله ضلال: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ﴾ (الحجر/ 56).

    مظاهر الرحمة الإلهيّة:
    لما كانت الرحمة الإلهية كثيرة واسعة فإنّ مظاهرها كثيرة واسعة أيضاً، وإذا كنّا نشير إلى بعضها هنا، فلمجرد التذكير وليس الحصر، فرحمته سبحانه وتعالى كنعمه لا تعدّ ولا تحصى:
    1- فمن رحمته تعالى أنّه فتح باباً لنا أسماه (التوبة) وفي الدعاء: "فما عذر من أغفل دخول الباب بعد فتحه؟!".
    فأنا أُذنب وأتوب وأستغفر فأجد الله تواباً رحيماً، ومَنْ تاب تابَ الله عليه، وقيل له: استأنف العمل، أي ابدأ من جديد، والتوبة – كما هو معلوم – هي النصوح التي لا نعود فيها إلى ممارسة الذنب، وحتى لو تبنا وأخطأنا ثمّ عدنا لرأينا الباب مفتوحاً، لكننا يجب أن لا ننسى أنّ الإصرار على الصغيرة كبيرة.
    2- ومن رحمته تعالى (حلمه) أي أنّه لم يعاجلنا بالعقوبة على أعمالنا، فهو يمهلنا ويفسح لنا المجال، ويتيح لنا الفرصة تلو الأخرى للاستغفار والتوبة والعودة إلى الطريق الصحيح. وفي الدعاء: "فم أرَ موليً كريماً أصبر على عبد لئيم منك عليَّ يا ربّ، إنّك تدعوني فأولِّي عنك، وتتحبّبُ إليَّ فأتبغّضُ إليك، وتتودّد إليَّ فلا أقبل منك كأنّ لي التطوّل عليك، ثمّ لم يمنعك ذلك من الرحمة لي والإحسان إليَّ والتفضّل عليَّ بجودك وكرمك، فارحم عبدك الجاهل، وجد عليه بفضل إحسانك، إنّك جواد كريم".
    3- ومن رحمته (المداولة) فليس هناك شيء ثابت من المحن والآلام والمصائب والأسقام والنوائب والكوارث والانكسارات والهزائم، ﴿وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران/ 140). فلو كان المرض بلا شفاء، والألم بلا زوال، والمصيبة بلا تهوين، والكارثة مقيمة لا تبرح، لكنّا عشنا حياة سوداء مظلمة خانقة مدعاة لليأس والاحباط والتبرم.
    4- ومن رحمته تعالى المكافأة على أدنى عمل بشرط أن يكون خالصاً لوجهه الكريم، فإذا قلت قولاً أو عملت عملاً طلباً لمرضاته أعطاك ما لا يخطر على بال.
    إنّ أقراصاً من خبز الشعير يتطوّع بها عليّ بن أبي طالب 7 وزوجته ابنة النبي فاطمة 3 ليتيم ومسكين وأسير لوجه الله يجازيهم عنها الله (جنّة وحريرا) ويلقّيهم نضرةً وسروراً في يوم الفزع الأكبر.
    وعن النبي 6: "اتّقوا النار ولو بشقّ تمرة"، تتصدّقون بها على فقير، أو تفطّرون بها صائماً، او تطعمونها لحيوان أو طير جائع.
    وعنه 6: "الكلمة الطيبة صدقة"، فحتى الفقراء والمساكين بإمكانهم أن يتصدّقوا، فليست الصدقة بالمال فقط، بل بالكلمة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، وكلمة الحق والصدق وزرع الأمل وحسن الظنّ بالله والترغيب برحمته والتثبيت على شريعته ومنهجه. ولذا قيل: "لا تحقرنّ من المعروف شيئاً" مهما صغر في نظرك أو نظر الآخرين، وقبل أيضاً: "لا تستح من القليل فإنّ الحرمان أقلّ منه".
    بل الأجر – عند الله – حتى على النيّة الحسنة، فإذا نويت القيام بعمل صالح وحبسك عنه العذر، وأقعدتك عن القيام به الظروف والموانع، فأنت مثاب عليه.
    5- ومن رحمته تعالى مضاعفة الأجر أضعافاً كثيرة، وإليك بعض الأمثلة:
    أ‌. الواحد بعشرة: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ (الأنعام/ 160).
    ب‌. الواحد بسبعمائة: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة/ 261).
    وقد ضاعف الله العطاء في أوقات وأمكنة معيّنة، كشهر رمضان وليلة القدر وليالي الجمع، وأيام الجمع، وأوقات الصلاة، والأماكن المقدّسة. وكلّ ذلك دليل الرحمة بالإنسان واللطف به.
    6- اقتران (اليسر) بـ(العسر): فليس هناك شيء يقال عنه أنّه عسر مطلق، فلابدّ أن يكون ثمة يسر ولطف ورحمة قد لا نتبيّنها في حينها، فهي كالشمس في يوم غائم، تلوح من بين شقوق الغيم آناً فآناً. وذلك مما يشرح الصدر ويريح الكاهل ويخفف من اضطراب النفس وقلقها: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح/ 5-6). ومن الّلافت هنا أنّ التكرار لتأكيد الملازمة والارتباط الوثيق بين اليسر وبين العسر.
    7- ومن مظاهر رحمته تعالى استجابته للدعاء وطلبات الناس المحتاجين والمضطرين، وهو وعد غير مكذوب، يقول تبارك وتعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر/ 60)، ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ (البقرة/ 186)، ويقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (النمل/ 62).
    8- ومن رحمته أن لا يهتك الستر والسريرة، فلا يفضحنا رغم إحاطته علماً سيِّئات أعمالنا وذنوبنا، ولو شاء لفعل، إنّه يضرب بين عيوبنا وآثامنا وبين الناس ستراً فلا يعرفون ما نحن فيه من معاصي، بل ويدعوهم إلى الستر والسريرة، فلا يفضحنا رغم إحاطته علماً بكل سيِّئات أعمالنا وذنوبنا، ولو شاء لفعل، إنّه يضرب بين عيوبنا وآثامنا وبين الناس ستراً فلا يعرفون ما نحن فيه من معاصي، بل ويدعوهم إلى الستر أيضاً، فهو ستّار ويحبّ الساترين، وفي الحديث: "مَنْ تتبّع عثرات الناس فضحه الله ولو في جوف داره".
    9- ومن رحمته إنزال الفرج والمخرج في أوقات الضيق وساعات العسرة وانسداد الأبواب والآفاق، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق/ 2-3).
    لقد أنقذ يوسف 7 من محنته حينما دعي من قبل النسوة إلى ممارسة الفحشاء ﴿إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (يوسف/ 33-34).
    وأنقذ (مريم) من ألسنة المتقوّلين عليها حينما حملت بعيسى المسيح 7.
    وأنقذ (أمّ موسى) من خوفها الشديد على وليدها الذي ألقته في صندوق في النهر، بأن ربط على قلبها ووعدها بإرجاعه إليها.
    وأنقذ (يونس) من بطن الحوت الذي التقمه.
    والانقاذ ليس حصراً على الأنبياء والرسل بل لكلّ إنسان مؤمن صالح، أما ترى قوله تعالى بعدما أنقذ يونس 7 كيف يطمئن المؤمنين أنّ رحمته ستشملهم أيضاً، ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنبياء/ 88).
    10- ومن رحمته أنّه أخفى ساعة ومكان وكيفية موتنا، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (لقمان/ 34)، حتى لا يشغلنا ذلك عن ممارسة حياتنا ومسؤولياتنا، أو يشلّ قدرتنا على التعاطي مع الحياة بإيجابية.
    وقد يكون من الخطأ الذي يرتكبه بعض الأطبّاء إخبار مرضاهم بمواعيد وفياتهم، فعلاوة على أنّ الأجل بيد الله وهو وحده العارف به متى؟ وأين؟ وكيف؟ وبالإضافة إلى أنّ علامات بعض المرضى قد تدلّل على قرب الوفاة، إلاّ أنّ التعلق بحبل الأمل وطوق النجاة يجب أن لا يعدم في أيّة لحظة من لحظات حياتنا مهما كانت عصيبة، وما يدرينا فقد يكتب الله لمن يئس طبيبهُ من حياته حياة أخرى، وكم فتح الأمل بالرحمة أبواباً كانت موصدة، وكم عجّل اليأس بقتل الناس والقضاء عليهم قبل فوات الأوان.
    لقد قضى بعض عمّال المناجم عشرة أيام في منجم تحت الأرض بعد تسرّب الماء إليه، ورغم الاختناق والرطوبة وانقطاع الماء والطعام، إلاّ أنّ رحمة الله أدركتهم ونجوا جميعاً.
    11- ومن مظاهر رحمته إرسال الأنبياء والرسل والكتب حتى يقودوا البشرية إلى ما فيه صلاحها وسعادتها وخيرها ومرضاة الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء/ 107).
    ولو لا ما جاء به الأنبياء : وخاصة خاتمهم محمد 6 لكنّا نعيش الجاهلية إلى اليوم، ولكنّا في أتعس حال من البؤس والضلال والمآسي، ولا نتهينا إلى أسوأ مآل.
    إنّ رحمة نبيّنا محمد 6 لم تنته برحيله فلقد ترك فينا كتاب الله الذي هو دستورنا الحياتيّ، وترك لنا سنّته المطهّرة وأوصانا باتباع أهل بيته : الأدلاّء على القرآن وعلى السّنة، فكانوا الرحمة الممتدة من بعده.
    12- ومن رحمته تعالى أنّه لا يكلّفنا فوق ما نطيق، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ (البقرة/ 286)، فما من تكليف أو فريضة إلاّ وهي مندرجة ضمن طاقة الإنسان المكلف وقدرته واستطاعته، فإذا خرج التكليف عن ذلك رفع القلم عنه، أو خفِّف التكليف عنه، فالذي لا يستطيع الصلاة عن قيام يمكنه أداؤها من جلوس، والذي لا يمكن أن يتوضّأ – سبب أو لآخر – فإن بإمكانه التيمم، ومَنْ لا قدرة مالية لديه سقط عنه تكليف الحج، ومَنْ كان أعمى أو مريضاً أو أعرج فلا حرج عليه، فإن بعض التكاليف تسقط تماماً، وإن بعضها يمكن تأجيله فيقضى في وقت لاحق، وبعضها قابل للتخفيف، وكل ذلك آيات رحمة ولطف وتقدير للطاقة ووضع التكاليف بحسب الوسع والاستطاعة.
    13- ومن رحمته تعالى أن علّمنا القراءة، ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق/ 1)، كما علّمنا الكتابة، ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (العلق/ 3-5). وهو يربط بين تعليمنا القراءة والكتابة وبين رحمته فيعتبر ذلك – كما هو واقع الحال – دليلاً على الرحمة: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن/ 1-4). وتعليم القراءة والكتابة لنا يعني ايداعه امكانية ذلك في نفوسنا وعقولنا وألسنتنا وجوارحنا.
    فلو لا الكتابة والتدوين لضاع التأريخ واندثر التراث وسير الأوّلين وانطمست الحضارات، ولكان على كلّ جيل أن يبدأ من الصفر، ولانعدم الرقّي كحلقات متسلسلة.
    ولكما – عزيزي الشاب، عزيزتي الفتاة – أن تستعرضا وجوه ومظاهر وآفاق رحمة الله في نعمه وكرمه وتفضّله وإحسانه وألطافه الظاهرة والخفيّة، والأبواب التي فتحها للرزق والمغفرة والعلم والعمل، فكلّنا من المرحومين، وإذا تلمّسنا آثار رحمة ربّنا كلّ على نفسه وشخصيته لازددنا حبّاً لله وتعلّقاً به وطاعة له.

    الرحمة الإنسانية:
    خلق الله الإنسان على مثاله، أي أراد له أن يتخلّق بأخلاقه ليكون خليفته الجدير بالاستخلاف في الأرض.
    ولعلّ أهم وأعظم صفة وخلق من أخلاق الله بعد (العدل) هو (الرّحمة) التي كتبها على نفسه، وإن كانت كلّ أخلاقه وصفاته حسنى وعظيمة.
    فلقد أراد سبحانه وتعالى لأنبيائه ورسله – وهم الوسطاء والسفراء بينه وبين الناس – أن يكونوا مظهر (الرّحمة) المهداة إلى العالمين، فقوله سبحانه لنبيّه المصطفى محمّد 6: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء/ 107)، يصدق على الأنبياء الآخرين، وإن كان النبي محمّد 6 أشرفهم، لكنّ كلّ واحد منهم كان مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية المجسّدة في إنسان كامل. وهكذا كان الأئمة من أهل بيت النبي رحمة للأمّة فيما حملوه من علم وأخلاق وسيرة رسول الله 6 وفيما عملوا به بصدق وأمانة من نهج الإسلام الذي انتهجه جدّهم 6.
    وأصحاب النبي 6 الأبرار باسلامهم، كانوا (رحماء بينهم) فيما وصفهم به المولى العزيز في كتابه الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح/ 29). فكما كانوا أشدّاء على الكفار يخيفونهم ويُرهبونهم، كانوا دمثي الأخلاق، رقيقي الحاشية، لطيفي المعشر فيما بينهم، حتى إذا رآهم مَنْ لا يعرفهم، قال عنهم: هذه تربية الإسلام، تريبة رسول الله 6 وربّما كان ذلك سبباً في هدايتهم وانجذابهم إلى الإسلام والدخول فيه.
    ومن سيرة النبي 6 الحافلة بالرحمة، وسيرة الأئمة الذين أشاعوا الرحمة في الأوساط، وسيرة أتباعه المخلصين الأتقياء، ذاع صيت الرحمة الإسلامية حتى طمع بها البعيد، سواء من أهل الكتاب أو الأقليات الدينية والعرقية، بل حتى الأعداء الذين يقعون في أسرهم.
    ولذا فقد أصبح شعار المسلمين: "إرحم مَنْ في الأرض يرحمك مَنْ في السماء". فالترابط بين الرحمتين الإلهية والإنسانية وثيق، وما رحمة الإنسان إلاّ نفحة من نفحات رحمة الرحمن. والإنسان الرحمانيّ هو عبد من (عباد الرّحمن) ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ (الفرقان/ 63).
    وهلّموا نرى كيف يتصرّف الإنسان الرحمانيّ؟

    1- الرحمة بالوالدين:
    لو فتشت عن سرّ الرحمة التي تعامل بها والديك، لعرفت أنّه بالإضافة إلى الرحمة الإلهية المودعة في قلبك البار النبيل، فإنّك قد أخذت درسها الأوّل من والديك الكريمين الرحيمين بك. فرحمتهما علمتك كيف تكون رحيماً بهما وبالناس من حولك، فلله الفضلُ أوّلاً في ذلك ولهما ثانياً.
    لقد عشتَ الرحمة بشكل عمليّ وأنت تدرج في طفولتك وصباك وفتوتك واستقيتها بالكلمة الدافئة والمعاملة الحسنة والإبتسامة الحانية والشفقة الكبيرة كما يستقي الصغير اللبن من ثدي أمّه.
    وحين بلغ أحدهما أو كلاهما الكبر أتتك دعوة الله بالإحسان إليهما في هذه المرحلة الحسّاسة من العمر، كما أنت مطالب دائماً وفي كل مراحل عرم هما باللطف والرأفة بهما.
    ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء/ 23-24).
    وقل ربّ ارحمهما كما عانيا في تربيتي، وكما تعبا وسهرا على راحتي وإسعادي، وكما بذلا من الجهود المضنية لتوفير احتياجاتي، وكما قلقا في مرضي وسفري، وكما دعوا لي في ظهر الغيب وفي أوقات الشدّة والحاجة إلى التوفيق والرحمة، بل في كلّ وقت، وكما شقيا ليسعداني، وكما غرسا – في عقلي وقلبي – منابع الرحمة.
    هل يكفي أن تدعو لهما بالرحمة الإلهية؟!
    أبداً، بل أنت مدعوّ للرحمة بهما في القول وفي الفعل وفي العدل وفي البذل و﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾ (الرحمن/ 60)؟!
    فالكلمة الرقيقة العذبة الدافئة مع والديك.. رحمة.
    وكلمة الشكر والثناء والتقدير والاعتزار بما قدّماه.. رحمة.
    والتصرّف المهذّب الحاني معهما.. رحمة.
    والدعاء لهما بالخير وطول العمر والعافية.. رحمة.
    واستشارتهما والأخذ بنصائحهما وطلب رضاهما.. رحمة.
    والإنفاق عليهما وإهداء ما جادت به نفسك ويدك من خير.. رحمة.
    إنّ الرحمة بالأم أو الأب قد يكون سبباً لهدايتهما، أو انتقالهما من حال إلى حال. ولعلّك قرأت قصّة ذلك الشاب النصرانيّ الذي دخل الإسلام وكان أمّه على دين النصرانية، فأوصاه النبي 6 بالمبالغة في رعايتها وإغداق اللطف والإحسان عليها، حتى إذا لاحظت ذلك ولفت نظرها، تساءلت: ما عدا مما بدا؟ فأخبرها ابنها الخبر. فقالت له: إنّ الدين الذي يربّي أتباعه على الرحمة والتراحم لجدير أن يُتّبع، فأسلمت كما أسلم.
    أضف إلى ذلك، أنّ الرحمة بين الأبناء وبين الوالدين تمتد إلى ما بعد الموت أيضاً، فبإمكانك أن تقضي عنهما ما فاتهما من عبادات، وأن تصلهما بإهداء الثواب في حج أو زيارة أو ختمة للقرآن أو وقف أو صدقة، فالبرّ بهما ميّتين كالبرّ بهما حيّين، ولعلّ حاجتهما إلى لطفك بعد الموت أكثر، ففي الحديث: "يموت الرجل وينقطع إلاّ من ثلاثة: ولد صالح يبرّه..". وفي رواية: "يدعو له".

    2- الرحمة بكبار السنّ:
    الرجل المسنّ والشيخ الكبير والمرأة العجوز يمثلون أناساً صاغتهم التجارب وعركتهم الحياة وصقلت أرواحهم المعاناة، فصاروا ينطقون بالحكمة والموعظة، ولذا كان التواصل بين الأجيال مسؤولية الأجيال اللاّحقة والسابقة معاً، فكما نحتاج إلى (همّة) الشباب نحتاج بدرجة مساوية إلى (حكمة) الشيوخ.
    ولقد امتاز الإسلام بالتشديد على رعاية المسنين واحترامهم والإفادة من بركات عطائهم العقلي والروحي.
    والشاب الرحمانيّ.. أو الفتاة الرحمانيّة.. إذا رأيا شيخاً مسنّاً أو امرأة أحنى الدهر ظهرها يدّبان على الطريق بعصا يتوكآن عليها.. أعاناهما في الوصول إلى مبتغاهما.
    وإذا رأيتَ كبيراً في السن يحمل أثقالاً فساعده في حملها رحمة به.
    وإذا رأيته يقف في الحافلة (سيارة النقل العام) قم ليجلس مكانك لترحم شيخوخته وضعفه.
    وإذا أقبل إلى مجلس فافسح له المجال وأجلسه حيث يمكن أن يستريح.
    وإذا رأيته مهموماً مغموماً فاجلس إليه وحادثه وفاكهه وسامره ونادمه حتى يزول ما به من غمّ.
    وإذا رأيته وحيداً يستشعر الوحشة طردت عنه أشباحها بزيارته وتفقّده وقضاء حاجاته والإحسان إليه ولو بكلمة طيِّبة وإبتسامة مودّة وعرفان.
    فرحمتك بالمسنين شكر لما أنعم الله عليك من فتوة وقوّة، وهو ادخار لرحمة تحتاجها في المستقبل، وسيقيّض الله لك من يرحمك كما رحمتَ غيرك، وسيبارك لك الله فيما أعطاك من منحٍ، فالرحمةُ منك تجرّ إلى رحمةٍ أكبر منها جزاءً من عند الله الرّحمن الرّحيم.
    ولذا ينبغي أن يتحوّل فعل الأمر "وقّروا كبارّكم" إلى واجب وفريضة ومسؤولية على كلّ مسلم شاباً كان أو فتاة القيام بها، حتى ينعم المسنّون الذين هم بأمسّ الحاجة إلى اللطف والعناية والرعاية، بالإحساس بالرحمة.
    ولو نظرتَ لرأيتَ أنّ المسنّين في الغرب يحسدون المسنّين في الشرق وفي بلادنا الإسلامية تحديداً، لأنّهم هناك يحالون إلى (دور العجزة) أمّا في بلادنا ومجتمعاتنا فيتحوّلون إلى شموع مضيئة وبركات دائمة للكبار، وأنس وبهجة للأحفاد والصغار.

    3- الرحمة بالأطفال:
    وكما أوصى الإسلام بتوقير الكبير واحترامه، أوصى كذلك بالعطف على الصغير والشفقة عليه.
    فهناك رحمة.. وهنا رحمة.
    هناك رحمة بالسنّ الكبيرة التي عجزت عن تحمّل أعباء الحياة.
    وهنا رحمة بالسنّ الصغيرة التي لم تقوّ بعدُ على حمل تلك الأعباء.
    وما بينهما رحمة بالقرناء الذين يماثلوننا أو يقاربوننا بالسنّ.
    وقد وضع الإسلام منهجاً في التعامل مع الشرائح الثلاث غاية في الأدب والتهذيب، وإليك نماذج منه:
    فالإمام جعفر بن محمد الصادق 7 يعلّمنا أنّنا إذا رأينا إنساناً كبيراً في السنّ فإنّنا نعتبره كـ(أب أو اُم) وإذا رأينا إنساناً صغيراً في السنّ فإنّنا نعامله كـ(ابن) وإذا رأينا من هو في مثل عمرنا أو ما يقاربه فإنّنا نعامله كـ(أخ أو أخت) وبالتالي فإنّ علينا أن نوقّر الكبير ونعطف على الصغير ونحترم القرين.
    ويعلّمنا أيضاً طريقة راقية أخرى، فيقول:
    إذا رأيت مَنْ هو أكبر منّك سنّاً، فقل سبقني إلى الفضل والهداية، وإذا رأيت مَنْ هو أصغر منك سنّاً، فقل سبقتهُ إلى المعاصي والذنوب، وإذا رأيت مَنْ هو في مثل سنّك فقل: أنا أعلم بما في نفسي ولا أعلم بما في نفسه، وبذلك فإنّك لن تتعالى على الناس، ولا تنظر إليهم نظرة فوقيّة، بل تنظر إلى شرائحهم المختلفة كباراً وصغاراً ومتوسطي العمر بعين المحبّة والانصاف والتواضع، وبذلك تكسب ودّهم واحترامهم وتقديرهم لرحمتك وإحسانك.

    4- الرحمة بالمرأة:
    يبدأ التعامل بالرفق وبالحسنى مع المرأة منذ الصغر.
    فحيثما يكون تعاملك مع أمّك بالحنان واللطف والإحسان، وتكون معاشركتك لأخواتك بالمحبّة والعطف والتعاون، وتكون أخلاقك بنات الجيران بالاحترام والاحتشام والتهذيب، وتكون علاقتك مع بنات الأقرباء بالمودّة والأدب والمداراة، فحينذاك يمكن الحكم على تعاملك مع المرأة مستقبلاً زوجة كانت أو بنتاً أو أيّة امرأة أخرى.
    فالقسوة مع الأخت، والتعالى على جنسها كونك ذكراً وكونها أنثى، واحتلال موقع الأب في تأديبها وتعنيفها، سيترك أثره في تربيتك وشخصيتك وتعاملك مع زوجتك غداً.
    ولذا فإنّ الرحمة بالمرأة تأتي من كونها إنسانة رقيقة ناعمة لطيفة تهزها المشاعر الدافئة، والكلمات العذبة، والتعامل المهذّب، والتقدير الشاكر لجهودها، ولذا قال رسول الله 6: "رفقاً بالقوارير".
    فكما أنّ الرفق بالقارورة، وهي الزجاجة الهشّة الرقيقة، يصونها من الكسر، فإنّ اللطف مع المرأة – أيّاً كانت صغيرة أو كبيرة، قريبة أو بعيدة – يساعدها على المزيد من الإبداع والعطاء والتفاني والتضحية والإيثار.
    فأنت كشاب مؤمن ومثقّف وغيور على المسلمات لا تكتفِ بأن تردد "وراء كلّ عظيم امرأة" دون أن تحترم وترحم هذه التي تصنع العظماء، بأن تشعرها بقيمتها كإنسانة عظيمة، ليكون وراء كلّ عظيمة رجل أيضاً، فكن أنت ذلك الرجل.
    ففي دراسة عن النساء المبدعات، اتّضح أنّ أحد أهمّ العوامل التي أعانتهنّ على تخطي الصعاب وبلوغ المآرب هي (الرحمة) الوالدية التي لم تفرق بينهنّ وبين إخوانهنّ الذكور، وأعطتهنّ من الفرص ما أعطتهم، واحتضنت مواهبهنّ وقابلياتهنّ كما احتضنت مواهبهم وقابلياتهم.
    واتّضح أيضاً، أنّ تلك التربية الرحيمة انعكست على تربيتهنّ لأبنائهنّ بالرحمة مما أنتج جيلاً معافى عقلاً وروحاً وسلوكاً سويّاً.
    إنّ الرحمة بالمرأة: أمّاً، وأختاً، وزجة، وقريبة، وغريبة، يضاعف من إخلاصها وتفانيها واعتزازها بموقعها وردّها للجميل أضعافاً مضاعفة، إرحم المرأة وسترى أنّها تردّ على الإحسان بأحسن منه!

    5- الرحمة بالأصدقاء والإخوان:
    هناك من الصحبة ما يطول فلا يفرّقه إلاّ الموت، بل يبقى حبل التواصل ممدوداً حتى بعد الموت، فيما يقدّمه الحيّ منهما لصديقه الراحل من هدايا تصله إلى قبره، كما كانت تصله هداياه إبّان حياته.
    وهناك من الصحبة ما يفرّقها أوّل نزاع أو خلاف بسيط أو غير بسيط.
    وللصحبة الطويلة أسباب منها (التراحم) بين الصديقين الحميمين أو الأخوين العزيزين، فتراهما يتناسيان إساءات بعضهما البعض، وتراهما يتقبّلان اعتذار بعضهما البعض، وتراهما يتعاتبان – في حال الجفوة – عتاباً رقيقاً يحرص كلّ منهما أن يعيد من خلاله المياه الصافية إلى مجاريها، خوفاً على علاقة متينة أقوم وأدوم من لحظات انفعال طارئة وإساءات عابرة.
    إنّ الصفح والتسامح والتصافي بين الإخوان سرٌّ من أسرار الرحمة. ومداراة الإخوان ورعاية مشاعرهم.. رحمة.
    والبحث عن العذر للأخ أو الصديق المسيء.. رحمة.
    ووضع النفس في موضع الأخ أو الصديق، كما لو تقول: لو كنتُ مكانه ماذا كنت أفعل؟.. فتعذره لظرفه.. رحمة.
    وصلة الإخوان والتباذل والتقارب والتهادي وذكرهم بالخير غياباً وحضوراً، أمواتاً وأحياء، لمن أجمل صور الرحمة.
    إنّ عدم سماع قول الآخرين في أخيك، وردّهم بما يمنعهم من الوقيعة بينك وبينه، رحمة بكَ وبه وبصداقتكما الغاية.
    وإنّ إقالة عثرة أخيك، ومصارحته بأخطائه بينك وبينه، وبالحكمة والموعظة الحسنة من أجل أن يبقى كما عهدته، وأفضل مما عهدته، ورحمة يحبّها الله ورسوله والمؤمنون.
    فلقد أراد النبي 6 حينما آخى بين المهاجرين والأنصار في أوّل عهده بالمدينة المنوّرة، أن يزرع بذور التراحم والتوادد بين المسلمين، وقد نجح نجاحاً باهراً، فكانت الأمّة التي صنعها القرآن بقول الله تبارك وتعالى، وصنعها الإسلام بفعل رسول الله 6 خير أمّة أخرجت للناس.

    6- الرحمة بكل إنسان:
    كما وسعت رحمة الله كلّ شيء، وكلّ إنسان، فإنّ رحمة الإنسان المؤمن بالله وبرسوله وبالإسلام ديناً ومنهجاً وخلقاً وسلوكاً، لا يحدّها حدّ، فهي رحمة بالأقربين وبالأبعدين، وإن كان الأقربون أولى بالمعروف.
    إنّ الآخر سواء كان كتابياً – أي على إحدى الديانات المعروفة – أو غير كتابي، فإنّه يتطلّع إلى رحمتك به وإحسانك إليه لما يعرفه الكثيرون من أنّ الإسلام دين الرحمة والسلام والتعايش والتعاون.
    وحتى لو لم يعرف الآخرون ذلك، فأنت تتعاطف وتتراحم مع الناس من منطلق كونهم إمّا إخوة لك في الدين أو نظراء لك في الخلق، وقد مرّ بك كيفَ أنّ الشاب النصراني الذي أسلم استطاع برعايته ورحمته بأمّة أن يجعلها تدخل دين الرحمة هي الأخرى.
    إنّ رحمتك بالضعيف هي شكر على ما أنعم الله عليك من قوّة.
    ورحمتك بالفقير شكر على ما أنعم عليك من ثروة.
    ورحمتك بالجاهل شكر على ما أفاض عليك من علم.
    ورحمتك بالمخطئ شكر على ما هداك إليه من استقامة.
    وسلامك على مَنْ تعرفه رحمة به، كما أن تحيتك لمن لا تعرفه رحمة به، وهذا هو مغزى دعوة النبي 6 "افشوا السلام" أي أشيعوا أجواء الرحمة بينكم لتتسع الأرض وتفيض ببركاتها ويعمّ النعيم والرخاء والمحبّة والإخاء.
    فبروافد المحبّة النابعة من قلبي، وروافد المحبّة النابعة من قلبك ومن قلوب الآخرين يغدو النهرُ كبيراً.. طافحاً بالخير، ويكون للأرض وجهٌ غير الوجه الكالح الذي تراها عليه اليوم.
    إنّ ما يعوز الأمّة والعالم، هو الرحمة أوّلاً وقبل كلّ شيء.

    7- الرحمة بالحيوان:
    ويطلق عليها (الرفق بالحيوان) فمثلما تتسع دوائر الماء إذا أسقطت عليه حجراً، كذلك دوائر الرحمة في الإسلام تتسع وتتسع لتشمل الإنسانية برمّتها. فمن الرحمة بالوالدين، إلى الرحمة بالأقرباء والجيران، إلى الرحمة بالأصدقاء والإخوان، إلى الرحمة بالناس أجمعين، إلى الرحمة بالحيوان.
    هذا الكائن الجميل في تعدّد مناظره وأشكاله وألوانه وحجومه وأغراضه، وما يعبّر عنه من دروس للإنسان، وما فيه من راحة فيما يساعد به الإنسان من نقله هو أو نقل أثقاله، له حقّ الرحمة أيضاً.
    فالإسلام لا يرتضي لك أن تجيع الحيوان أو تعطشه، ولا أن تثقل كاهله فوق ما يطيق، ولا أن تضربه ضرباً مبرّحاً، وأن تتيح له المجال في أن يستريح من تعب وعناء النهار فلا تجور عليه بالعمل ليلاً ونهاراً.
    وقد أكّد الإسلام على الرفق بالحيوان، وعدّ ذلك من أبواب الرحمة والمغفرة، فقد روي عن رسول الله 6أنّه قال: بينما رجل يمشي بطريق اشتدّ عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها فشرب، ثمّ خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي يلغني منزل البئر فملأ خفّة ثمّ أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله عزّ وجلّ له، فَغُفِرَ له.
    فقيل: يا رسول الله! إن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال 6: "في كل ذات كبد رطبة أجر".
    وهكذا غُفِر للرجل وحصل على رحمة الله لرفقه بالكلب وسقايته له، وهكذا يقرر الرسول 6 أن في سقاية كل مخلوق ذي كبد أجراً.
    كما لم يرتضِ الإسلام حبس الحيوان وسجن الطير، وشهيرةٌ هي قصة المرأة عذّبت في النار لأنّها أذت قطة، فقد روي عن الإمام 7، قال: "إن امرأة عذّبت في هرّة ربطتها حتى ماتت عطشاً".
    فلم يجز الإسلام تعذيب الحيوان أو التمثيل به، فعن النبي 6: "لا تجوز المُثلُة ولو بالكلب العقور".
    ولقد جسّدَ المسلمون من أهل اليمن – وربّما كان هناك غيرهم – أخلاق الإسلام في الرحمة بالحيوان والرفق به في أحد أسواق صنعاء المعروفة بـ(سوق العرج) حيث تربط في إحدى ساحات السوق الخيول الضعيفة والحمير المتعبة أو التي كسرت أرجلها بعد أن يُهيّأ لها الماء والعلف حتى تنفق، أي تترك هناك بلا استعمال حتى يأتيها الموت.
    إنّ دعوة الإسلام للرفق والرحمة بالحيوان هي من باب أولى دعوة لاحترام الإنسان والرحمة به، فإذا كان الإسلام رحيماً بالكائن الذي لا ينطق ولا يعقل ولا يمتلك أحاسيس الإنسان ومشاعره ولا كرامته وموقعه، فما بالك بأكرم الخلق وأفضل الكائنات.
    اقرأوا ما يفعله الطواغيت بالناس وبالمؤمنين وبالأحرار وبالصالحين لتعرفوا أنّ الحيوان اليوم أسعد حظّاً من الإنسان، فبعض الدول ترعى الكلاب والقطط وتدافع عن حقوقها، ولا تقيم لمجزرة بشرية وزناً!

    بين (الرحمة) و(القسوة):
    دعونا نُجرِ مقارنة بين آثار الرحمة وآثار القسوة وطبيعة كل منهما لنعرف لماذا أراد لنا الإسلام أن نكون (رحماء) بيننا (أشدّاء) على الكافرين:
    1- (الرحمة) تؤلّف بين القلوب، وتذوّب الجليد، وتزيل الحواجز، وتفتح سبل التفاهم والتعاون، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (آل عمران/ 159). و(القسوة) تبغِّض وتنفِّر وتزرع الأحقاد، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران/ 159). فالرحمة قوّة جاذبة، والقسوة قوّة طاردة.
    2- (الرحمة) خلق ربّاني، يعامل الله بها عباده – حتى المسيئين منهم – وهو الذي أغراهم باللجوء إلى خيمة رحمته حينما يخطئون أو يذنبون أو يسرقون على أنفسهم، أي أنّهم يهربون منه إليه.
    أمّا (القسوة) فخلق شيطانيّ، تركبُ ذوي النفوس المريضة، والشاعرين بعُقدة النقص من الطواغيت والجبابرة وظالمي أنفسهم وغيرهم.
    الرحمة.. اقتدار وعفو.
    القسوة.. ضعف وبطش.
    3- (الرحمة) تعبير رائع وجميل عن إنسانية الإنسان في الكلمة والموقف، و(القسوة) تعبير عن الجانب الحيواني الشرس المفترس.
    فالذئب أو النمر أو الأسد لا يرون في التعامل مع الفريسة سوى أنّها وليمة يسدون بها جوعتهم.. فالقسوة (غريزة) لا عقل لها.. و(الرحمة) عقل راجح وعاطفة جيّاشة.. عقل ينادي بها ويدعو لها لأنّها تنسجم مع مبادئ الحق والخير والجمال، والقلب يهتف بها لأنّها طريقه الأوسع إلى العقل.
    4- (الرحمة) تربِّي وتهذِّب وتشذِّب وتعلِّم وتقوّم، و(القسوة) والإنسان مع أخيه الإنسان، فهي تعارف وتحابب وتواصل.
    و(القسوة) تعلِّم الحقد والكراهية والضغائن والثأر والانتقام.
    (الرحمة) إذن ربح كبير.
    و(القسوة) خسارة فادحة.
    5- (الرحمة) اسلوب الأقوياء، و(القسوة) اسلوب الضعفاء لأنّ مَنْ يحتاج إلى القسوة والعنف الضعيف الذي يحاول تغطية نقاط ضعفه بقوّة البطش والسلاح وتكبيل الأيدي وخنق الأنفاس.
    القاسي.. لا يملك سوى قبضة الإرهاب والإرعاب، فهو يمتلك من الإنسان بدنه.
    والرحيم.. يملك النفس العالية المتعالية، ولذا فهو يمتلك من الإنسان قلبه.
    لكنّنا ونحن نجري هذه المقارنة بين (الرحمة) و(القسوة) لابدّ من أن نذكّر أنّ (الرحمة) يجب أن توضع في مواضعها الصحيحة، كما أنّ (القسوة) أو الشدّة يجب أن توضع في أماكنها المناسبة.
    فأعداء الأمّة ومغتصبو حقوقها لا تنالهم منّا رحمة، فنحن (أشدّاء على الكفّار) وما عداهم فلهم الرحمة ما وسعتها قلوبنا.
    ورد في بعض الدعاء المأثور في استقبال شهر رمضان: "وفقنا.. أن نراجع مَنْ هجرنا.. وأن ننصف مَنْ ظلمنا، وأن نسالم مَنْ عادانا، حاشا من عودي فيك ولك، فإنّه العدوّ الذي لا نواليه، والحزب الذي لا نصافيه".

    الطريق إلى الرحمة:
    كيف لي أن أكون رحيماً؟
    كيف لي أن أنقيِّ قلبي ومشاعري من شوائب القسوة؟
    هل الرحمة فطرية أم اكتسابية؟
    ما هو الطريق إلى الرحمة؟
    الرحمة اكتسابية، أي أنّنا نحصل عليها بالتعلّم والتربية والتدريب ومبادلة الناس حبّاً بحبّ، ورحمة برحمة.
    لقد كان العرب في الجاهلية قساة، لكنّ الإسلام استطاع أن يخلق من تلك القلوب القاسية قلوباً رحيمة حانية ملأت العالم رحمة.
    وأمّا الطريق إلى الرحمة فيمرّ عبر القنوات التالية:
    1- إطاعة الله ورسوله، فالله الرّحمن الرّحيم، ونبيّه الرحمة المهداة إلى العالمين، يدعوان إلى إرساء قواعد الرحمة بين الناس، ومَنْ يتبعهما في ذلك فيشيع الرحمة، فإنّه يكون قد أطاعهما ونال وسام الرحمة من الدرجة الأولى، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران/ 132). قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (الحديد/ 28).
    2- الإستماع إلى وحي القرآن الذي جعله الله هدى ورحمة للناس، فالذي يبحث عن الهدى وعن الرحمة فلا يذهبنّ بعيداً.. دونه القرآن يجد الرحمة منبثّة في سوره وآياته، ولذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف/ 204).
    وهناك العديد من القصص التي تروى عن أولئك الذين نفذ نور الرحمة إلى قلوبهم وهم يستمعون إلى القرآن بآذان واعية.
    3- الذكر والدعاء طريقان آخران من طرق اكتساب الرحمة، فأنت تستنزل شآبيب الحرمة الإلهية بدعائك الذي يعترف لله بالعبودية، وبين يديه بالتقصير والمعصية، ويناديه بلسان أهل توحيده أنّه فقير إلى رحمته وهو غنيّ عن عذابه.
    4- قراءة قصص السيرة النبويّة المطهّرة، وقصص الأئمة الأطهار والأولياء الصالحين الأبرار عرفوا رحمة الله وعرّفوها للناس قولاً وعملاً، فملكوا أعنّة القلوب، وكانوا مثلاً أعلى في الرحمة التي فتحت طرقاً واسعة إلى العقول الضالّة والقلوب القاسية.
    5- أشعر قلبك بالرحمة.. إملأه بها.. لا تبخل على مَنْ حولك بها.. ولا تخف نفاداً.. فالرحمة – كالعلم – تزداد على الإنفاق.
    أخيراً..
    ردِّد في أعقاب كلّ صلاة:
    "أللهمّ إنّ مغفرتك أرجى من عملي
    وإنّ رحمتك أوسع من ذنبي..
    أللهمّ إن كان ذنبي عندكَ عظيماً
    فعفوك أعظمُ من ذنبي..
    أللهمّ إنْ لم أكنْ أهلاً أن أبلغَ رحمتك
    فرحمتك أهلٌ أن تبلغني وتسعني لأنّها وسعت كلّ شيء".

    وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين


    - هو الشاعر (محمد الماغوط) في أحد أعداد مجلة (الوسط) في باب ثابت اسمه (تحت القسم).
    - هذا مجرد تعبير مجازي توضيحي وليس حقيقياً، فالله سبحانه وتعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ وهو ليس بجسم، ولكن أردنا بذلك تقريب الصورة للفهم.
    - مسند أحمد بن حنبل، ج2، ص516، ط. دار صادر، بيروت.
    - ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص327.
    - اًنظر (المحراب والحياة)، فيصل الكاظمي، ص123.
  2. بواسطة رفاه

    شكرا جزيلا